ابن بسام

109

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

التقيتموه فكونوا حوله ، وعظّموا قوله ، فإذا أمكنتكم [ 1 ] غرّته ، وبدت لكم ثغرته ، فاقتلوه كيف أمكن ، وعلى ما ظهر وبطن ، ونما الخبر إلى ابن الحديديّ فكفر بطاغوتهم ، ونفض يديه من تابوتهم ، ونكّب إلى بعض ضياعه ، في لمة من شيعته وأتباعه . فاضطرمت الصّدور ، وبطل ذلك التدبير . ثم وافى البلد ليلة وقد استوحش من أنسه ، وأوجس خيفة في نفسه ، وأصبح في المدينة خائفا يترقّب ، ونادما يتتبع ويتعقّب ، يعضّ يديه ، / ويحسب كلّ صيحة عليه . وطفق أصحاب ابن ذي النّون بزعمه يقولون : قد حذرك ، وتيقّن خبرك ، ولا يصلح لك أبدا ، ولا يردّ عن مكروهك يدا . ومشت بينهما الرسل ، وأعملت في اجتماعهما الحيل . فركب إليه ذات يوم ، وقد أخذ حذره ، وحشد عرفه ونكره ، واستبطن من كان تبعه يومئذ من الدّهماء ، وتعلّق بركابه لمشهد أمره من الغوغاء . فملئوا أفنية القصر أسرع من الماء إلى الصّبب ، وأهول من النار في الحطب . فحين ارتفعت الأصوات ، وغصّت بهم العرصات ، ارتاع [ 2 ] ابن ذي النّون ، فأمر ابن الحديديّ بالخروج ، فخرج والدّولة متعلّقة بأذياله ، وطبقات أعيانها عن يمينه وشماله ، والعامّة بين يديه ومن خلفه ، يتمسّحون بآثاره ، ويرفلون في غباره ، وهو يشكر صنيعهم ، ويعمّ بالثناء جميعهم . وكان عندما أذكى عيونه ، وحشر شياطينه ، قد أوقع تهمته على شيخين من شيوخ الخدمة يدعيان مؤمّلا وابن صروم ، فأغرى العامّة باستئصالهما ، وتحبّب إليهم [ 72 ] بنهبة أموالهما ، فكانا عنوان الفتنة ، وباكورة المحنة . وقد حدّثت أنّ ابنه أشار عليه يومئذ بالفراغ من شيعة ابن ذي النون ففيّل رأيه ، واستقصر سعيه ، وبودّ طليطلة البائسة لو أنّه فعل ، ولو أمضاها ما اختلف بها اثنان ، ولا انتطح فيها عنزان . وزيّن هذا الحزب المعلن بشرّه ، من شيعة ابن ذي النّون المغلوب على أمره ، لصاحبهم اللّجاج في غدره ، والتّمادي على غلواء مكره . / وأرته أنّ ذلك من سعيها لا يستوي على سوقه ، ولا يخلو بسواء [ 3 ] طريقه ، إلّا [ بإطلاق ] [ 4 ] تلك الطائفة المغرّبة بمطبق وبذة ، المحترقة أفلاذ أكبادهم ، بنيران دمهم وأحقادهم : داء دفين ، وشرّ

--> [ 1 ] ص : أمكنتم . [ 2 ] ص : أباع . [ 3 ] ص : بسوء . [ 4 ] بياض في ص .